
ومفهومالقيم يتطلب منا تحديد ماهية الأوعية التي تتغذى منها القيمة لتستمر حية في كيانالفرد أو كيان الجماعة أو الأمة والحضارة، وأختزل تلك الأوعية في أربعة: الوعاءالفلسفي أو العقدي، الوعاء الغائي، الوعاء الباطني أو الوعاء الأخلاقي والوعاء الظاهري أو الوعاءالسلوكي.
أولاً الوعاء العقدي: بالنسبة للوعاء الفلسفي أو العقدي، فكل حزمة من القيمالمفضلة تتغذى من فلسفة ما أو عقيدة ما، قد تكون هذه الفلسفة ذات منشأ بشري أو تكونعقيدة ذات منشأ روحي أو رباني، والقيم الإسلامية منشؤها رباني أي أنها قيم لها وعاءعقدي ديني وليس لها وعاء عقدي فلسفي، وتلك الفلسفة هي التي تعطي مضمونا للقيمالقاعدة أو المرجعية. فإن كانت فلسفة مادية فإنها تصبغ تلك القيم بالمضامين المادية وإن كانت تلكالعقيدة روحية كالإسلام فإنها تصبغ تلك القيم بصبغة إسلامية.
ثانياً الوعاء الغائي: لكل جماعة أو أمة أو حضارة، جواب على السؤالالمركزي: ما الغاية من الوجود؟ فالغاية من الوجود في الحداثة أو في ثقافة الغرب هيعبادة الشهوة، والغاية من الوجود في عقيدة الإسلام هي عبادة الله، كما جاء في الآيةالكريمة ”وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” فنوع الغاية يحدد نوع القيم ويعطيهامضمونا خاصا، فالذي يسعى من أجل رضوان الله وعبادته عز وجل والفوز بالجنة فإن القيمالتي توجهه وتؤطره تختلف اختلافا كبيرا عن الذي يقول بأن الغاية من الوجود هي عبادة الشهوة و تحقيقشهوات الجسد كشهوة البطن والفرج والمال والسلطة. بحيث تصبح الشهوة هي المحددة كغايةلتلك القيم. وهذا يؤدي إلى اختلاف كبير بين منظومة القيم في العقيدة الإسلاميةومنظومة القيم في فلسفة الحداثة الغربية.
ثالثاً الوعاء الأخلاقي: أو الوعاء الباطني، فلكل حزمة من القيم المرجعية لحضارة ما أخلاق، فحينما تمارسقيمة ما وتشعر بالرضى الباطني فذلك من الأخلاق وحينما لا تشعر بالرضى، بل بالذنب فذلكيعني أنك لست على أخلاق. بمعنى آخر حينما تشعر بالرضى فإنك في الواقع تكون منسجمامع قيمك ولكن حينما تشعر بأنك غير راض على ذلك السلوك فإنك تكون غير منسجم مع تلكالقيم، فمثلا العفة قيمة عليا في الإسلام، العفة في كل شيء، في الاقتصاد فلا تُحصِّلالمال إلا بما هو حلال، والعفة في الفرج فلا تمارس شهوة الجنس إلا في الحلال، وعفة فيالسلطة فلا تمارسها إلا بالعدل. فإذا سلكت غير ذلك لا تشعر بالرضا، وفي هذهالحالة فأنت لست على أخلاق بمعيار القيم المرجعية لحضارتك أو أمتك.
رابعاً الوعاء السلوكي أ, الظاهري:أما الوعاء الرابع الذي يعطي حياة للقيملتستمر وتوجه حياة الفرد والجماعة، فهو الوعاء السلوكي. بمعنى آخر حينما تؤمن كمسلمبأن الإسلام وحي وبأن غايته هي عبادة الله عز وجل وبأن أخلاقه الانضباط لتلك القيمفحينما تسلك سلوكا يتناسب مع هذا فإن ذلك يعني أنك أعطيت حماية للقيمة ولكنك إنسلكت سلوكا مخالفا فإن ذلك يؤدي إلى تراجع وقتل القيمة.
فمثلا إذا كنت تعتبرأن الخمر حرام من الناحية العقدية ومن الناحية الأخلاقية وتشعر بالذنب إذا شربتهولكن في السلوك فإنك تفعل ذلك فإن هذا يضعف القيمة.و يجعل السلوك في تعارض مع العقيدة و الغاية و الأخلاق.
فهذه هي الأوعيةالأربعة والتي تعيش منها القيمة.
الوظيفة الأولى: حفظ وحماية الهوية والعمران للحضارة التي ننتميإليها وفي رأيي أن القيم التي تصون الهوية والحضارة ثلاث وهي قيم الانتماء لأمة ماوقيم الولاء وقيم الوفاء لتلك الأمة أو الحضارة وهذا يصون الهوية ويعطيها قوة، فإذاكان ولاؤك ضعيفا وانتماؤك ووفاؤك ضعيفا فإن ذلك يؤدي إلى تفكك الهوية والحضارة التيتنتمي إليها.
أما الوظيفة الثانية فهي إنتاج العمران أي تطوير تلك الهويةوتلك الحضارة وبالتالي تطوير الأمة التي تنتمي إليها وبرأيي هي أيضا ثلاث قيم كبرىقيم العلم وقيم العمل وقيم الوقت وهذه القيم أساسية لتطوير الهوية وهذا أمر ضروريلتعيش القيم وتستمر وبالتالي يستمر نمط الحياة الخاص بأمة ما أو جماعة ما.




































بقلم طارق بنهدا 

