القيم الحاضنة للتنمية
بقلم: محمد طلابي
أولاً:مفهوم القيم
القيم هي مجموعة من العقائد الدينية أو الفلسفية المفضلة عند شعب ما أو حضارةما، وعندما تصبح قيماً مفضلة فإنها تتحول إلى أسلوب للحياة، تحدد لنا تصورناللكون وللطبيعة وللتاريخ وتصورنا للوجود، بل وتحدد لنا حتى أذواقنا ومظاهرنا وسلوكناالعام.وبالتالي فالقيم حينما تتحول إلى مرجعية عليا تصبح نمط حياة.
.
ومفهومالقيم يتطلب منا تحديد ماهية الأوعية التي تتغذى منها القيمة لتستمر حية في كيانالفرد أو كيان الجماعة أو الأمة والحضارة، وأختزل تلك الأوعية في أربعة: الوعاءالفلسفي أو العقدي، الوعاء الغائي، الوعاء الباطني أو الوعاء الأخلاقي والوعاء الظاهري أو الوعاءالسلوكي.
أولاً الوعاء العقدي: بالنسبة للوعاء الفلسفي أو العقدي، فكل حزمة من القيمالمفضلة تتغذى من فلسفة ما أو عقيدة ما، قد تكون هذه الفلسفة ذات منشأ بشري أو تكونعقيدة ذات منشأ روحي أو رباني، والقيم الإسلامية منشؤها رباني أي أنها قيم لها وعاءعقدي ديني وليس لها وعاء عقدي فلسفي، وتلك الفلسفة هي التي تعطي مضمونا للقيمالقاعدة أو المرجعية. فإن كانت فلسفة مادية فإنها تصبغ تلك القيم بالمضامين المادية وإن كانت تلكالعقيدة روحية كالإسلام فإنها تصبغ تلك القيم بصبغة إسلامية.
.
ثانياً الوعاء الغائي: لكل جماعة أو أمة أو حضارة، جواب على السؤالالمركزي: ما الغاية من الوجود؟ فالغاية من الوجود في الحداثة أو في ثقافة الغرب هيعبادة الشهوة، والغاية من الوجود في عقيدة الإسلام هي عبادة الله، كما جاء في الآيةالكريمة ”وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” فنوع الغاية يحدد نوع القيم ويعطيهامضمونا خاصا، فالذي يسعى من أجل رضوان الله وعبادته عز وجل والفوز بالجنة فإن القيمالتي توجهه وتؤطره تختلف اختلافا كبيرا عن الذي يقول بأن الغاية من الوجود هي عبادة الشهوة و تحقيقشهوات الجسد كشهوة البطن والفرج والمال والسلطة. بحيث تصبح الشهوة هي المحددة كغايةلتلك القيم. وهذا يؤدي إلى اختلاف كبير بين منظومة القيم في العقيدة الإسلاميةومنظومة القيم في فلسفة الحداثة الغربية.
.
ثالثاً الوعاء الأخلاقي: أو الوعاء الباطني، فلكل حزمة من القيم المرجعية لحضارة ما أخلاق، فحينما تمارسقيمة ما وتشعر بالرضى الباطني فذلك من الأخلاق وحينما لا تشعر بالرضى، بل بالذنب فذلكيعني أنك لست على أخلاق. بمعنى آخر حينما تشعر بالرضى فإنك في الواقع تكون منسجمامع قيمك ولكن حينما تشعر بأنك غير راض على ذلك السلوك فإنك تكون غير منسجم مع تلكالقيم، فمثلا العفة قيمة عليا في الإسلام، العفة في كل شيء، في الاقتصاد فلا تُحصِّلالمال إلا بما هو حلال، والعفة في الفرج فلا تمارس شهوة الجنس إلا في الحلال، وعفة فيالسلطة فلا تمارسها إلا بالعدل. فإذا سلكت غير ذلك لا تشعر بالرضا، وفي هذهالحالة فأنت لست على أخلاق بمعيار القيم المرجعية لحضارتك أو أمتك.
.
رابعاً الوعاء السلوكي أ, الظاهري:أما الوعاء الرابع الذي يعطي حياة للقيملتستمر وتوجه حياة الفرد والجماعة، فهو الوعاء السلوكي. بمعنى آخر حينما تؤمن كمسلمبأن الإسلام وحي وبأن غايته هي عبادة الله عز وجل وبأن أخلاقه الانضباط لتلك القيمفحينما تسلك سلوكا يتناسب مع هذا فإن ذلك يعني أنك أعطيت حماية للقيمة ولكنك إنسلكت سلوكا مخالفا فإن ذلك يؤدي إلى تراجع وقتل القيمة.
فمثلا إذا كنت تعتبرأن الخمر حرام من الناحية العقدية ومن الناحية الأخلاقية وتشعر بالذنب إذا شربتهولكن في السلوك فإنك تفعل ذلك فإن هذا يضعف القيمة.و يجعل السلوك في تعارض مع العقيدة و الغاية و الأخلاق.
فهذه هي الأوعيةالأربعة والتي تعيش منها القيمة.
.
.
أما وظائف القيم فأختزلها في وظيفتينرئيسيتين:
.
الوظيفة الأولى: حفظ وحماية الهوية والعمران للحضارة التي ننتميإليها وفي رأيي أن القيم التي تصون الهوية والحضارة ثلاث وهي قيم الانتماء لأمة ماوقيم الولاء وقيم الوفاء لتلك الأمة أو الحضارة وهذا يصون الهوية ويعطيها قوة، فإذاكان ولاؤك ضعيفا وانتماؤك ووفاؤك ضعيفا فإن ذلك يؤدي إلى تفكك الهوية والحضارة التيتنتمي إليها.
.
أما الوظيفة الثانية فهي إنتاج العمران أي تطوير تلك الهويةوتلك الحضارة وبالتالي تطوير الأمة التي تنتمي إليها وبرأيي هي أيضا ثلاث قيم كبرىقيم العلم وقيم العمل وقيم الوقت وهذه القيم أساسية لتطوير الهوية وهذا أمر ضروريلتعيش القيم وتستمر وبالتالي يستمر نمط الحياة الخاص بأمة ما أو جماعة ما.
.
ثانياً:آليات تدافع القيم
.
.
لقد أنجزت عقيدة الحداثة تحولاً كبراً في منظومة القيم القائدة للحضارة في العصر الحديث.و هي نفس القيم التي تقود العالم اليوم في عصر العولمة، و توجهه إما طوعاً أو كرها.و هذا أمر أدخل قيم الحداثة في تدافع واسع و صراع شرس مع كل المنظومات القيمية للشعوب و الحضارات.و من ضمنها قيم الإسلام و حضارة المسلمين.لقد دخلت قيم الحداثة الغربية على الخط في كل منحى من مناحي حياة المسلمين بالأمس.و مع عصر العولمة وعصر الصحوة الإسلامية اليوم يزداد التدافع بين المنظومة القيمية للإسلام و المنظومة القيمة للحداثة. إنه التدافع بين قيم الإلحاد و قيم الإيمان، بين قيم العفة و قيم الشهوة. بين قيم الحرية المنضبطة و قيم الحرية المنفلتة،.بين قيم العقل المنفلت و العقل المنضبط. بين قيم الديمقراطية و قيم الاستبداد، بين قيم الولاء للدين و قيم الولاء للإقليم، بين قيم الأخوة و قيم المواطنة، بين قيم الاستهلاك و قيم الادخار. بين قيم الوقت الكثيف و قيم الوقت الضائع، بين قيم العلم و العمل و قيم البطالة و الكسل. وغيرها.و بالمناسبة فليس كل هذا التدافع طالحا لا صالح فيه.فدفع قيم الحداثة لقيمنا أصلح بعض أمورنا.
اتخذ التدافع بين قيم الإسلام و قيم الحداثة أربع آليات رئيسية: آلية دفع معتقد لمعتقد، آلية دفع معتقد لسلوك، آلية دفع سلوك لسلوك، وآلية دفع سلوك لمعتقد.
فغزو أو دفع معتقد لمعتقد ميدانه حرب القلم.و كان فارس الحداثة في هذا الشأن (علم) الاستشراق مند أن تأسس في القرن الثامن عشر بفرنسا إلى اليوم.و قد نجح علم بل أيديولوجية الاشتشراق في دفع حزمة مهمة من قيم الإيمان عند شريحة من المسلمين المتعلمين، لتحل محلها قيم الإلحاد وألا دينية. أي قيم العلمانية التي وعاؤها فكر الحداثة الغربية.لقد نجح (علم) الاستشراق، معتمداً أساليب البحث العلمي كما يدعي، و هي ليست كذلك إلا ناذراً، في إحداث شقوق معتبرة في عقيدة الإيمان الديني عند نخبة معتبرة من المثقفين في العالم العربي و الإسلامي. فالمستشرقون، من خلال بحوثهم، شككوا في الوحي و شككوا في نبوة محمد(ص) و شككوا في إمكانية بناء الحضارة من طرف العرب و المسلمين. إذ اعتبروا أمة الإسلام أمة ناقلة للحضارات القديمة الغربية و الشرقية و ليس لها إنتاج إسلامي خاص. و نجحوا إلى حديد بعيد في دفع قيم الإيمان لتحل محلها قيم الإلحاد و ألا دين و تحقير الذات و الشك في قدرتها على العطاء الحضاري.
و غزو معتقد لمعتقد هذا، انتهى إلى غزو المعتقد للسلوك عند المسلمين.لقد تغير سلوك النخبة العلمانية من أبناء جلدتنا اتجاه الدين الإسلامي و قيمه العليا، واتجاه منجزات الحضارة الإسلامية نفسها. و هذا السلوك السلبي يمكن رصده في ثلاث مظاهر على الأقل:أولاً إهمالها قيم الإسلام في حياتها الشخصية و العائلية، و تبنيها لأسلوب الحداثة و قيمها في العيش،ثانياً اعتبار الدين عموما بما فيه دين الإسلام أفيون شعوب،فحكموا عليه ظلماً بالظلامية و الرجعية. مع أن الإسلام اليوم هو القيادة الثورية ضد الاستعمار في العالم بدون منافس .ثالثاً ( النضال) كسلوك من أجل إبعاد الإسلام عن التدخل في إدارة الشأن العام للأمة.
لقد حقق فكر الاستشراق هذا الانتصار الكبير لقيم الحداثة داخل المجتمع الإسلامي لسببين رئيسين:
.
السبب الأول مكر علم الاستشراق نفسه: لقد ادعى أن دراسته للحضارة الإسلامية شأن بحث علمي خالص، لا علاقة له بالصراع مع الإسلام و حضارة المسلمين. و هذا نهتان. و ادعى أن شعار بحوثه: (الموضوعية و العلمية لا غير)، و هذا كذب.و كما يعلم الجميع مثقفين و عاميين أن سلطة العلم لا تقاوم. فعندما تشكك في الوحي و نبوة محمد(ص) معتمداً أساليب البحث العلمي كما يزعمون، لابد أن يحدث ذلك أثراً على قيم الإيمان في قلوب و عقول العامة من المسلمين أو الخاصة من المثقفين المغرر بهم، غير المدركين لمكر علم الاستشراق, و هذا ما حدث بالضبط مع الأسف.
و اليوم تأكد بما لا شك فيه أن علم الأستشراق لم يلتزم الموضعية العلمية في تعامله مع الحضارة الإسلامية إلا استثناء. و لذى فهو أيديولوجيا أكثر منه علم.فهو غالبا ما يتصيد الروايات الشاذة في تاريخ المسلمين و أكاذيب الفرق المذهبية المنحرفة أو الحاقدة ليعتمدوها كمستندات لبحوثهم.
.
أما السبب الثاني لهذا الانتصار الكبير لقيم الحداثة في بلاد المسلمين فهو الدعم ألا محدود للاستعمار لأطروحات الاستشراق في بلاد المسلمين. الاستشراق و الاستعمار بالأمس و اليوم جناحين لمكر واحد.فالاستعمار الغربي لبلاد المسلمين في الغزوة الأولى بالأمس و الغزوة الثانية اليوم مع عصر العولمة هو التجسيد العملي لغزو سلوك لسلوك و سلوك لفكرة أو معتقد.
فإن كان ميدان التدافع في مجال القيم عند الاستشراق هو عالم القلم، فإن مدان التدافع عند الاستعمار هو عالم السلوك و الفعل الميدانييْن.فمع مجيء المستعمر الغربي لبلادنا أصبح إنتاج و بيع و شرب الخمر سلوك عملي عند كثير من المسلمين. و أصبحت المعاملات الاقتصادية الربوية سلوك عملي عند المسلمين. وأصبحت مؤسسات القمار و الزنى سلوك عملي في بلاد المسلمين.و الأخطر من ذلك نحج المستعمر في ترسيخ قيم الحداثة و قوانينها حتى في جهاز الدولة التي أصبح في بلاد المسلمين علمانية في مضمونها إسلامية في شكلها. لقد غرز الاستعمار قيم الحداثة كسلوك عام في جل بنيات الدولة و المجتمع الإسلامييْن كرها و طوعا.و هذا السلوك الشامل المتشبع بقيم الحداثة سيحدث تغيراً سلبياً في سلوك كثير من المسلمين. فبدءوا في التطبيع السلبي مع قيم الحداثة السالبة.فغزو سلوك لسلوك أو سلوك لفكرة أو معتقد هو تطويع و ليس تطبيعا.لقد نجحت عملية غزو سلوك لسلوك. ثم تلتها عملية غزو السلوك للمعتقد. فغياب الشريعة الإسلامية كسلوك عملي في أجهزة الدولة و المجتمع المسلم، و التطبيع السلبي مع الربا و الزنا و القمار و شرب الخمر و تناول المخدرات و غيرها من الأفعال السلوكية المتنافية مع معتقد الحلال و الحرام في الإسلام، كل ذلك تحول إلى أعراف ثقافية سالبة، كانت نتيجتها نجاح قيم الحداثة كسلوك في دفع قيم العفة و الحلال و الحرام الإسلامييْن كمعتقد بعيداً عن الحياة المعيشة لشريحة مهمة من المجتمع الإسلامي. كل هذا سينتج ثلاثة أشكال من الوعي داخل المجتمع الإسلامي كما سنرى في مقبل الحلقات إن شاء الله.
.
.
ثالثاً:ثلاث أشكال للوعي حصيلة تدافع القيم
.
.
إن تدافع قيم الحداثة الغربية مع قيم الإسلام خلال القرنين الماضييْن و حتى اليوم، أحدث ثلاثة أشكال من الوعي داخل المجتمع الإسلامي. إذ توزعت الأمة إلى ثلاثة مجتمعات حسب الوعي هي:أولاً مجتمع الوعي المعافى أو الوعي المطابق، ثانياً مجتمع الوعي المشوش أو المفتون، ثالثاً مجتمع الوعي المغيب أو الوعي المفوَّت الشقي.و معايير التصنيف لهذا الثلاثي من أصناف الوعي في المجتمع الإسلامي هي ما مدى التزام أفراد المجتمع الإسلامي بالأركان الأربعة في تعريف القيمة كما أسلفنا.و هذه الأركان الأربعة هي: الوعاء الفلسفي أو العقدي للقيمة، فكل حزمة من القيمالمفضلة تتغذى من فلسفة ما أو عقيدة ما، قد تكون هذه الفلسفة ذات منشأ بشري أو تكونعقيدة ذات منشأ روحي أو رباني. والوعاء الغائي للقيمة، فالغاية من الوجود في الحداثة أو في ثقافة الغرب هيعبادة الشهوة، والغاية من الوجود في عقيدة الإسلام هي عبادة الله. والوعاء الأخلاقي أو الوجداني للقيمة، فحينما تمارسقيمة ما وتشعر بالرضا الباطني فذلك من الأخلاق وحينما لا تشعر بالرضا، بل بالذنب فذلكيعني أنك لست على أخلاق.و الوعاء السلوكي الظاهري للقيم.فيكون سلوكك العملي منسجما مع الوعاء الفلسفي أو العقدي، و مع الوعاء الغائي، و مع الوعاء الأخلاقي للقيم القائدة لمجتمع ما.
.
1: مجتمع الوعي المطابق أو المعافى:
.
سمي وعياً مطابقاً لأن أفراد هذا المجتمع المسلم يتصرفون جادين في مطابقة أفعالهم، بلا تفاوت مخل ما أمكن، مع تعاليم الدين الإسلامي كما هي مسطرة في القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة و تجربة الإسلام التاريخية من جهة، و مطابقة فهمهم للنص الديني بلا تفاوت مخل، ما أمكن، مع فقه الواقع في البيئة التاريخية التي يحياها مجتمعهم اليوم.و هو لذلك وعي معافى بلا سقم.فوعاؤهم العقدي سليم. فهم على اعتقاد تام و صادق بأن الإسلام هو عقيدة التوحيد الصحيح. عقيدة مبادئها أربع: مبدأ الإلوهية أن لا إله إلا الله وحده،و مبدأ الربوبية، إن الله هو الخالق و المدبر لهذا الكون.ومبدأ العبودية، أي أنه الوحيد الواجب الانقياد له حباً و كرهاً بالعبادة.و مبدأ الحاكمية أي الحكم بشريعته كما هي مسطرة في القرآن و السنة.و وعاؤهم الغائي سليم بلا سقم. فهم على وعي تام بأن الغاية من وجودهم هو عبادة الله تعالى في دار الدنيا، و الفوز برضوان الله و رؤية وجهه الكريم و الفوز بالجنة في دار الآخرة. و وعاؤهم الأخلاقي سليم بلا سقم، بحيث يشعرون بالرضا و الانسجام الوجداني مع عقيدتهم و غايتهم و هم يمارسون حياتهم اليومية.و بالتالي وعائهم السلوكي سليم بلا سقم، بحيث يتطابق فعلهم السلوكي مع وعائهم الأخلاقي و الغائي و العقدي.
إن ظاهرة الوعي المطابق اليوم في صعود مضطرد و الحمد لله. و السر في ذلك عودة الدين من منفاه التاريخي، و اتساع نطاق الصحوة الدينية العالمية، و غزوها لفئات اجتماعية حيوية كفئة الشباب و النساء.إنه مجتمع الوعي بلا فتنة.
.
2: مجتمع الوعي المشوش أو المفتون:
.
سميته وعياً مشوشاً أو مفتوناً لكون التشويش يخترق عمودياً أو طولياً الأوعية الأربعة للقيم المركزية. فهذا الصنف من أفراد المجتمع الإسلامي يؤمن بالوعاء العقدي للقيم الإسلامية العليا: يؤمن بأن الإسلام هو عقيدة التوحيد الصحيح، و يؤمن بالوعاء الغائي للقيم الإسلامية، فيؤمن بأن الغاية من الوجود هو عبادة الله في دار الدنيا، و الفوز بالجنة و النجاة من النار في دار الآخرة. و يؤمن بنظامها الأخلاقي، و يؤمن بضرورة التزام كل هذا في السلوك العملي.
لكن مع ذلك تجد كثيراً من الغبش و التشويش في العقيدة و الغاية و الأخلاق و السلوك. فرغم إيمانه بمبادئ الإلوهية و الربوبية العبودية و الحاكمية كأسس لعقيدة التوحيد، فإنه يشوش عليها بإعطاء بعض المخلوقات، كالأضرحة مثلاً و بعض شيوخ الزوايا بعضاً من تلك المبادئ. فيعتقد، بلا وعي، بقدرة تلك المخلوقات أو الأضرحة على منح الصحة و الرزق و الأبناء و غير ذلك.فهو يؤمن بأن شرب الخمر و لعب الميسر حرام، و مع ذلك في سلوكه يشرب الخمر و يلعب الميسر.
فهو في وعائه السلوكي مختل، لكنه مع ذلك يشعر في باطنه أنه ارتكب ذنباً عند شربه الخمر أو تناوله سيجارة، فيدعو الله العفو والمغفرة لما تقدم من ذنبه و ما تأخر. أي أنه سليم الوعاء الأخلاقي، فهو غير راضٍ على سلوكه لأنه غير منسجم مع الوعاء العقدي و الوعاء الغائي للقيم الإسلامية العليا. إنه المجتمع الإسلامي المفتون. و مع الأسف الشديد أن هذا الوعي الذي لا يتطابق فيه السلوك مع عقيدة التوحيد داخل الفرد الواحد هو السائد حتى الآن. وهي الحصيلة المرة لغزو قيم الحداثة في تحالف معلن أو ضمني مع قيم عصر الانحطاط الإسلامي.
.
3: مجتمع الوعي المغيب أو المفوَّت:
.
إن هذه الفئة من المجتمع الإسلامي فاقدة للوعي بالتمام. مخدرة تخديراً كاملاً. و هي لحسن الحظ قلة قليلة في دار الإسلام الممتدة من اندونيسيا على المحيط الهادي إلى المغرب على المحيط الأطلسي.وهي قلة من المثقفين العلمانيين المتشبعين بالقيم العليا لفلسفة الحداثة المادية، قيم وعاؤها الفلسفي مادي، ووعاؤها الغائي مادي، ووعاؤها الأخلاقي مادي،و وعاؤها السلوكي مادي. لكن قوتها ملموسة في التدافع بين قيم الإسلام و قيم الحداثة اليوم.فهي تحضى اليوم بدعم كبير للغاية من طرف دوائر الاستعمار الغربي ، و التمكين لها في وسائل التدافع الثقافي و الفكري. فلها الهيمنة و الإشراف على وسائل الإعلام و الثقافة و التربية و التعليم و الصحف و غيرها. كما أنها تحضى بدعم مالي هائل لتنزيل خططها و قيمها على الواقع الحي.و بالمقابل تحضى بدعم هائل لمحاصرة غريمها في التدافع و هو مجتمع الوعي المطابق أو المعافى، مجتمع الصحوة الإسلامية الصاعد.و ميدان التدافع الحقيقي و القوي اليوم بين أنصار الوعي المطابق و الوعي المُفوَّت هو مجتمع الوعي المشوش.لكن وفق سن التاريخ فإنني أرجح اتساع مساحة الوعي المعافى داخل المجتمع المشوش على حساب الوعي المغيب الشقي.
.
رابعاً:القيم:الأصول و الماهية
.
عرفنا القيم بكونها حزمة من المعتقدات المفضلة عند أمة ما أو حضارة ما أو ثقافة ما. معتقدات تكتسي صبغة القدسية و صبغة المرجعية العليا في تحديد نمط حياة تلك الأمة أو الحضارة في كل شيء.و تكتسي صفة المحرك لنهضة و تنمية تلك الأمة. فما هي القيم الحاضنة لتنمية و نهضة أمة العروبة و الإسلام؟ و قبل ذلك ما هي الأصول التي منها تتغذى و تمتح تلك القيم؟
.
1:أصول قيم التنمية
.
إن قيم النهضة أو قيم التنمية الشاملة في بلاد المسلمين قديماً و اليوم و غداً هي حزمة القيم الإسلامية. و لم تنهض أمتنا بالأمس، و لن تنهض اليوم و غداً إلا بتلك القيم و ليس بالقيم العلمانية أبداً.
و للقيم الإسلامية الحاضنة لنهضتنا خمسة أصول منها تتموَّن و تتغذى هي:أولاً ذات الله تعالى من أسماء و أفعال و صفات، فالله تعالى رحمان رحيم عدل بديع عليم كريم رءوف إلى آخره. فلا بد لقيمنا أن تكون مشبعة بالرحمة و العدل والرأفة والإبداع والكرم والربوبية وغيرها كثير كثير.و تتغذى ثانياً من سيرة الرسول محمد (ص) من أقواله و أفعاله و تقاريره.و هي سيرة نبي في العدل و الرحمة و الآدمية الشاملة و العبودية الشاملة.و تتغذى ثالثاً من أحكام الشريعة في الأمر و النهي معاً، باعتبار الشريعة دستور الأمة المقدس.أما الأصل الرابع الذي تتغذى من القيم لتُبْقِي على نشاطها و حيويتها فهو العقل البشري. باعتبار العقل بعضٌ من الفطرة الآدمية، وباعتبار العقل غير متصادم مع الوحي من قرآن كريم و حديث شريف صحيح. فأعلى درجات و مراتب العقل توجد في النص القرآني.
و خامساً تتغذى حزمة القيم الإسلامية من العرف الموافق للشريعة الإسلامية. أما الأعراف و العادات و التقاليد المنافية للشريعة فليست من مصادر التموين و التزود عند القيم الحاضنة للنهضة و التنمية في بلاد المسلمين.
و العرف قد يكون عرفاً اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً و غير ذلك. فمن الأعراف السياسية مثلاً أن يكون أهل البلد مستأنسين بالنظام الملكي، فيجب اعتبار ذلك في منظومة القيم الحاضنة للتنمية. و العكس صحيح.و منها أيضاً اعتماد الديمقراطية كعرف سياسي في تداول السلطة و الثروة في المجتمع. فهو عرف سياسي مطابق للشريعة الإسلامية كوسيلة لممارسة الحكم و تداول السلطة.
.
2:ماهية قيم التنمية
.
إن القيم الحاضنة للتنمية الشاملة أو للنهضة ببلاد المسلمين خمس قيم هي: قيم العبودية، قيم الحرية، قيم الانتماء، و قيم العفة، و أخيراً قيم العمل.و هذه الحزم الخمس من القيم نسق. والعلاقة بينها علاقة تفاعل تشابكي. و أي خلل في اشتغال إحدى هذه الحزم يؤدي إلى الخلل في باقي منظومة الحزم. وأي اشتغال فعال لحزمة من الحزم يكون عوناً على اشتغال باقي الحزم بفعالية. فالمناصرة بين الحزم يرفع من درجة نشاطها داخل الفرد الواحد و الأمة الواحدة.فعند التزام الأمة مثلاً بقيم العفة في المال، فإنها تصون مال الجماعة و الدولة والأفراد من الفساد الاقتصادي،و في ذلك قيم العبودية لله بامتياز. و هذا من صميم التنمية الاقتصادية للأمة.و العفة في السياسة عند الحكام عون لقيم الحرية، وهي عين الحريات السياسية في الإسلام. وهكذا. لكن لكل نسق إمام أو قائد ينسق العمليات التفاعلية التشابكية بين أطراف النسق الواحد. فالقيادة في هذا الخماسي من الحزم هي لحزمة قيم العبودية. كما نعلم من دراسة تاريخ نشوء الحضارات قديماً و حديثاً أن الارتقاء الحضاري لأمة ما يشترط حضور خمسة عوامل كبرى هي ميلاد الدولة و الأمة و الوطن و اللسان و الرسالة أو المشروع الثقافي للأمة. و الرسالة ليست أكثر من حزمة القيم الروحية الحاضنة للنهوض الحضاري. فالرسالة هي عقيدة دينية أو فلسفية تتملك امة ما و تتلبسها ، فتأسر قلبها و عقلها، فتدفعها دفعاً لتنزيل تلك الرسالة على الواقع الحي. فيحدث النفير الحضاري في تلك الأمة، فيبدأ العمران في كل مناحي الحياة.فقيم الحرية الشهوانية مع الأسف كانت محركاً كبيراً لنهضة الغرب الحديث في تشابك طبعاً مع قيم إنسانية سامية كقيم العلم والعمل و قيم الانتماء. فحزمة الحرية الشهوانية هي القائد لباقي حزم قيم النهضة في الغرب.
و قد تم تصدير هذه القيم الغربية للمجتمع الإسلامي، و جربت لأكثر من قرنين من الزمان في بلاد المسلمين. و مع ذلك لم تحدث فينا نفيراً حضارياً، بل بالعكس أحدثت فينا نفوراً حضارياً.و السبب بسيط و هو أن الحزمة القائدة للقيم في الغرب، و هي قيم الحرية الشهوانية، إنها في تعارض مع الحزمة القائدة للقيم في عقيدة الإسلام، و هي قيم العبودية لله، و ليس العبودية للشهوة المادية. فقيم العبودية الشاملة لله عز و جل هي العقيدة المحدثة للنفير الحضاري لأمة الإسلام قديماً و حديثاً و مستقبلاً. لقد حفر المسلمون الخندق في عهد الرسول (ص) في ستة أيام على طول ستة كيلومترات. و لم تكن عندهم لا جرافة و رافعة للتراب و الحجر و لا ديناميت لتفجر الصخر.و فتح المسلمون عالماً يمتد من حدود الصين إلى حدود فرنسا بالأندلس في 100 سنة. لدرجة أن المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون قال ما معناه أن المسلمين قد فجروا طاقتهم الحضارية دفعة واحدة. و بنى المسلمون حضارة عملاقة قادت العالم لحوالي 10 قرون من الزمان. فما السر في هذا الانفجار الحضاري و العمراني الضخم عند المسلمين في العصر الوسيط الإسلامي؟؟؟؟
فالسر بسيط وهو تشبعهم بمضامين الحزم الخمس المذكورة أعلاه، تحت إمرة قيم العبودية. إن قيم العبودية الشاملة لله تعالى ملكت عليهم أنفسهم و قلوبهم و عقولهم. فتفجرت فيهم كل الطاقات، طاقة المخيال الحضاري، و الطاقات الذهنية و الطاقات الروحية و الطاقات النفسية و الطاقات العضلية. فاعتبروا كل شيء عبادة: الصلاة عبادة و الفتح عبادة وإنتاج العلم عبادة ،و إنتاج سلعة جيدة بلا غش في المواد أو الأسعار عبادة. والرحمة و العدل و الكرم عبادة. و إطعام الفقير و المسكين عبادة. و الصدق و الأمانة و القوة و الإحسان في العمل و عدم الغش وعدم الكذب و النميمة عبادة. و قيم الانتماء الصادق و القوي للأمة و الملة عبادة .فشيدوا بتلك القيم عمارة الاستخلاف الإسلامي الرائعة. فقط بها سنعيد بناء تلك العمارة بطوابقها الثلاثة:الإنسان و السلطان و العمران. عمارة الحضارة الراشدة، ببصمتها الآدمية الكاملة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
المنتدى الوطني للابداع و الحوار الطلابي |
السمات:
المنتدى الوطني للابداع و الحوار الطلابي
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج