وقفة مع تعلية الاسوار …
كتبهاorema - marrakech ، في 3 أبريل 2007 الساعة: 00:09 ص
وقفة مع " تعلية الأسوار

عبد الحكيم كريم
تحرص المؤسسات والبنايات العمومية على أن تكون مميزة في هندستها وبناياتها وغالبا ما يكون نمط بنائها تعبيرا عن الخصائص المعمارية والفنية للبلد الذي تنتمي إليه، فهل تحرص مؤسساتنا على تحقيق الأمر نفسه؟
من البديهي أن الأماكن التي تتوقف فيها أشغال البناء والتعلية و الإصلاح هي جدران المؤسسات العمومية وتكاد تنفرد بهذه الخاصية عن المؤسسات والإدارات الأخرى.. طبعا هذا لا يعني أن للأمر علاقة بالحرص على صيانة جدرانها أو الحفاظ على مميزات عمرانها، كما أنه لا يعني أنه تم بناء كل المؤسسات الحيوية التي يحتاجها المجتمع. ولم يبقى سوى تقوية وتسييج بنيان وأسوار المؤسسات الموجودة.
مناسبة هذا الكلام ما يشهده الحي الجامعي بمراكش في الآونة الأخيرة من أشغال سعت إلى رفع الجدار المحيط به أمتارا أخرى، وهي سنة غير حميدة تحافظ عليها إدارة هذا الحي كل سنة، فكأنه يسابق أحدا في الفضاء! وهو في هذه الحالة ليس فريدا في هذا الأمر الذي هو ديدن مختلف مؤسساتنا العمومية.
الواقع أن هذا يعكس خللا تصوريا عميقا في بنية المجتمع من جهة وعلاقة هذا الأخير بالمؤسسة والإدارة، قد يذهب البعض إلى تفسيره بكونه أحد تجليات علاقات القهر القائمة في المجتمع. والأكيد أن الأمر يستدعي بحثا عميقا في الأركيولوجيا المشكلة للذهنية لدى المواطن والمؤسسة كل على حدة، وهذا يستدعي أكثر من وقفة.
كانت العلاقة منذ البدء بين المواطن والإدارة، أو هكذا ورثتها الإدارة نفسها، علاقة قهرية بامتياز . إن الإدارة في نظر المواطن هي العنوان الوحيد الذي يجعله يفقد هدوءه بمجرد ما يلجه أو يفكر في أن وثيقة ضرورية توجد خلف جدرانها السميكة، إذ عليه أن يتحمل طول الانتظار قبل أن تصفعه الإدارة بمختلف أختمها الملونة على وثيقته المطلوبة وأحيانا تكون هذه الوثيقة هي الوحيدة التي تثبت أنه حي !.
في نماذج راقية لا وجود لوثائق غبية كهذه ولا حاجة لإنتظار طويل في الإدارة بل قد تصلك الوثيقة المطلوبة إلى باب بيتك. و بعض المجتمعات تحتج على كون المواطن ينتظر أكثر من ثلاث دقائق في مكاتبها وهو زمن طويل بنظرهم لا يليق أن يؤخر المواطن عن أشغاله ومصالحه.
ولعل حجم الإهانة التي يشعر بها المواطن عندنا كلما ولج أبواب إحدى المؤسسات العمومية، إما من أجل وثيقة أو قصد العلاج أو لأي غرض آخر، لا يوازيه شيء إلا ضخامة الأسوار التي تحيط بالمؤسسة المعنية. فهل خوف المعنيين من ردات الفعل على الإهانة جعلهم يحصنون أنفسهم وهذه الإدارات بأسوار ضخمة؟. أم أنهم يتنافسون أيهم يسرق من سور الصين عظمته؟. فندخل أبواب عجائب الدنيا ونتفوق على الصين في معلمتها العظيمة؟.
علاقة الإدارة بالمواطن إختزال لتحول معاق، من مرحلة ما قبل المؤسسة والإدارة إلى مرحلة تزداد فيها الدولة بروقراطية بأجهزتها المؤسساتية المتنوعة، وهو عندنا تحول لم يكتمل، فهو لم يكن مصحوبا بتحول في الثقافة بمعناها الأنتربولوجي. المؤسسة عندنا ليست وليدة مخاض وتحول طبيعي خاصة ومجتمعنا ظل لقرون منضبطا بمكانزمات تقليدية وعرفية، ثم فجأة وجد نفسه مسيجا بمؤسسات لم تجتهد في التصالح والتواصل مع واقعها.
ومظاهر العنف ضد الممتلكات والمؤسسات العمومية، كسلوك شاذ يعبر عن هذه الأزمة، لا يبرر القيام بتسييج وتعلية الأسوار، وكأن المواطن ثور هائج منفلت من أي قيد، نحن نعلم جيدا أن ما يختفي وراء هذا السلوك من تسمين الأسوار لا يعبر عن حرص على هذه المؤسسات ولا على المال العمومي من الضياع، فهناك جيوب تسمن هي أيضا كلما أضيف نصف متر في سور. والذي ينبغي أن يغذى ويعلى من شأنه هي قيمة المواطنة الخلاقة والإدارة المواطنة هي التي وجب أن تعطي النموذج، وهذا لا ينجز بالإسمنت المسلح، وإنما بتسلح قوي بقيم المواطنة والوطن.
وبالعودة إلى سور الحي الجامعي بمراكش نقول للمسؤولين عن هذه الأشغال يكفي من تذكير الطلبة أنه عبارة عن سجن، فلا شيء فيه يدل على عكس ذلك،إلا طلبته العصيون على كل إخضاع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ** شؤون طلابية, ::: جامعة القاضي عياض, منبر الرأي الحر, منتدى الشباب | السمات:** شؤون طلابية, ::: جامعة القاضي عياض, منبر الرأي الحر, منتدى الشباب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






























